• ×

01:54 مساءً , الخميس 3 شعبان 1439 / 19 أبريل 2018

Subscribe With Us

صالح الضحيان

تشويه الجامية لمذهب السلف

صالح الضحيان

 0  0  6910
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


نشأت في الأمة الإسلامية في الآونة الحديثة فرقة دينية تسمى (بالجامية) ، وأتباعها يسمون أنفسهم (بالسلفية) ، وهم يستميتون في وصف أنفسهم بالسلفية ، ويدّعون أنهم هم وحدهم من يمثل الدين الحق على منهج السلف الصالح .
والجامية فرقة مشهورة ، ولها أتباعها في المملكة وخارج المملكة . ولو تفحصنا ودرسنا هذه الفرقة وفق الميزان الحق لأهل السلف الصالح ، ونظرنا في قواعدهم وأدبياتهم لوجدنا أن القوم في بعض التعاملات بعيدون جدا عن طريقة السلف ، ولديهم جفاء وغلظة مع عموم المسلمين ، ويحرصون على التشهير والتضليل والتبديع لكل من خالفهم .
والمتابع لأشرطتهم ، وتسجيلاتهم ، وكتبهم يتأكد له ضررهم الشديد على الدعوة ، فهم منفرون بطريقتهم عن منهج السلف ، وسبب رئيسي في تباطؤ انتشاره ، ولهم اليد الطولى في انصراف الكثير من الشباب عنه ، وبسببهم بدأ الناس في أنحاء العالم يتوجسون من مذهب السلف بعد ما كان هو الشاغل والمهيمن على عقول الكثيرين منهم .

وسأطرح بعض النقاط التي خالفت فيها فرقة الجامية منهج السلف الصالح ، وكانت سببا في الإساءة له والنفور منه :

المخالفة الأولى لمنهج السلف :
احتكارهم لمنهج السلف ، والتعصب لدعاتهم وعلمائهم وإخضاع الناس لميزانهم ، وامتحانهم في ذلك ، فهذا سلفي ، وهذا حزبي ، وهذا قطبي ، وهذا يقرأ لفلان فاحذروه ، وهذا ضال مضل ، وسلفية فلان أفضل من سلفية فلان ، ومن كان مؤيدا للعالم فلان فهو سلفي ، ومن عارضه أو انتقده فهو ضال يجب الحذر منه ، حتى صنفوا الجميع وأخرجوهم من السلفية ، ووقفوها على فرقتهم ، شاهرين بذلك سوط التبديع والتضليل .
وقد أشغلوا الساحة بهذه المهاترات وهذه التصنيفات البعيدة كل البعد عن روح المنهج الحق ، وقد وصل بهم التعصب والتحزب لعلمائهم أن تصدع منهجهم ، ودبت الفرقة في أقطابهم ، وانقسموا إلى جماعات كل منهم يضلل الآخر.

أين هؤلاء من مواقف علماء السلف الأبرار من مخالفيهم ، وحرصهم على جمع الكلمة وتأليف القلوب ، فقد ورد في أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله : ( الأصل السابع: الحرص على تأليف القلوب واجتماع الكلمة، وإصلاح ذات البين، والحذر من أن يكون الخلاف في المسائل الفرعية العقدية والعملية، سببًا في نقض عُرى الأخوة والولاء والبراء بين المسلمين ) . هل قرأ الجاميون هذا الأصل عند شيخ الإسلام ، أم تأخذهم الحزبية إلى التجاهل .

المخالفة الثانية لمنهج السلف :
تتمثل في حرصهم على تضليل خصومهم من المسلمين ، وفرحهم بتحقيق ذلك ، والسعي حثيثا لتبديعهم ، والتشكيك في صدقهم ، ولمزهم في تدينهم وخصوصا إخوانهم من الدعاة والمصلحين الناشطين .
فهم ينقبون في كتب خصومهم ، وينثرون أشرطتهم الحديثة والقديمة ، ويستمر بحثهم لأعوام سابقة لعلهم يجدون ما يضللون به الدعاة من أهل السنة ، وإذا وجدوا ما يحتمل كونه خطأ طاروا به فرحا لينشروه على الملأ ، ويجلبوا على صاحبه الدهماء ، ويحكموا على صاحبه بالضال المبتدع .
وهذا يعد خروجا عن المذهب السلفي الحق ، حيث أن منهج السلف هو الحرص على إيجاد المخرج للمسلم المجتهد إذا أخطأ ، وتقديم حسن الظن ، والتماس العذر ، والبعد عن تكفير المسلمين ، وعدم تضليلهم ، واجتناب الخوض في سيرتهم ، وعدم التشكيك في صدقهم ، أو لمزهم في دينهم .
ولنستعين مرة ثانية بشيخ الإسلام ابن تيمية لنبين لنا كيف يتعامل أهل السلف مع أهل البدع . فقد ورد أن من أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية : ( الأصل الأول : الاعتذار لأهل الصلاح والفضل عما وقعوا فيه من بدعة عن اجتهاد ، وحمل كلامهم المحتمل على أحسن المحامل ) . هذا الموقف لابن تيمية بينه وبين الجامية كما بين السماء والأرض .

المخالفة الثالثة لمنهج السلف :
وهذه المخالفة لها علاقة بالمخالفة الثانية وهي : أن تلاميذهم يستخدمون طريقة خاصة لعرض الأسئلة على العلماء المؤثرين كالشيخ الألباني أو ابن باز أو ابن عثيمين أو الفوزان ليحصلوا منهم على كلمة مؤذية ، أو تضليل ، أو تكفير لمخالفيهم من الدعاة . فمثلا يصطاد أحدهم قولا لأحد الدعاة "عليه بعض الملاحظات" ثم يأتي إلى الشيخ الألباني ويقول : ( ما رأيكم يا شيخ في من يقول كذا وكذا ، أو يطرح السؤال بصيغة أخرى ) بحيث يذكر القول ويخفي اسم القائل . فيجيب الشيخ بجواب (عام) لا يفي بالغرض عند السائل ، فيستدرك السائل ويقول ( ألا يكون مبتدعا بهذا القول يا شيخ ) . انظر كيف يستنطق التبديع والتضليل من الشيخ .
وإخفاء اسم القائل هو من باب التلبيس على الشيخ ، لأن الشيخ لو علم أن القائل أحد الدعاة المجتهدين لاعتذر له ، ولذكره بخير، وأيضا إذا علم الشيخ باسم القائل فسيعلم أن هذا الخطأ قد وقع عن اجتهاد ، وأنه زلة غير مقصودة ، وعليه فلن يحصلوا على تضليل الداعية ولا تبديعه . فيكون إخفاء اسم القائل مقصود لغرض التبديع والتضليل ، وهذا من الفجور في الخصومة ، ومن التدليس ، وعدم الأمانة ، ويدل أيضا على نقصان العدل ، والتعدي بالظلم والجور. خذا مثالا على ذلك من هذا الرابط :
http://www.youtube.com/watch?v=yWI-r...ure=watch-vrec

المخالفة الرابعة لمنهج السلف :
صرف الولاء والبراء بعيدا عن منهج السلف : فهم يعادون ويقربون ، ويحبون ويبغضون وفقا لرغبة ولي الأمر ، فنظرتهم للشخص أيا كان ، وتصنيفهم له ، وموالاته ، ومعاداته ينطلق من موقفه أو قربه أو بعده من ولي الأمر، فإن رضي عليه ولي الأمر رضوا ، وإن سخط سخطوا ، وهم يغالون في ذلك ، ويربون أتباعهم على التسليم المطلق (للحاكم المتغلب) أيا كان .
وهذا الغلو في الولاء وإن كان يصب في مصلحة ولي الأمر في تدعيم حكمه ، وتحريم الخروج عليه ، إلا أنه يعتبر كارثة على ولي الأمر في نفس الوقت ، فهم يوالون ولي الأمر في السلم و الرخاء ، ويقفون في صفه وقت الأمن والأمان فقط ، أي يوالونه ما دام متغلبا والحكم مستقرا ، أما في الحروب والانقلابات ، وعند الحاجة فهم مع من غلب ، والطاعة للحاكم المتغلب ، نعم هذا أساس منهجهم ( الطاعة للمتغلب ) أياً كان ، وهم يرددون ذلك ويؤصلون له ، وينشئون أتباعهم عليه . فلك أن تتخيل لو تمت تربية مجتمع المملكة على سياسة الطاعة للمتغلب كما في منهج الجامية ، ثم حصل (لا سمح الله) غزو خارجي ، أو عدوان خارجي ، وتغلب هذا الغازي ، فستصدر الفتاوى من الجامية بالسمع والطاعة لذلك المتغلب ، وسيتم تحريم المقاومة ، والتنصل من الحاكم السابق بحجة الحاكم المتغلب .
وولاة الأمر مؤكد أنهم يعرفون خطورة ذلك المنهج عند الجامية ، ويعلمون أنهم لا يعتمد عليهم في الملمات ، ويدركون خطورة تربية المجتمع على هذا المنهج . وهذا ما يفسر عدم احتفائهم بهم ، وقلة تمكينهم من الفتوى الرسمية ، وعدم إشراكهم في مدارسة الأمور العامة.

هناك كثير من الناس يتهمون الجاميين بأنهم يوالون اللبراليين والعلمانيين ويعادون الإسلاميين ، وهذا غير صحيح ، فالجاميون في تقييمهم للأشخاص لا يعنيهم المنهج سواء إسلامي أو ليبرالي ، فهم ينظرون لموقف ولي الأمر من ذلك الشخص ، ويصنفون الشخص من هذا المنطلق ، فقد يقربون اللبرالي ويبعدون الإسلامي وقد يكون العكس حسب ميزانهم في الموالاة والمعاداة .

المخالفة الخامسة لمنهج السلف :
الانتقائية في تطبيقهم للتضليل والتبديع ، فهم يضللون ويبدعون دعاة المسلمين من أهل السنة في هذا الزمن فقط بسبب قضايا اجتهادية محتملة يرون أنها مخالفات بدعية . بينما يعملون بمبدأ الموازنات وحسن الظن في مخالفات متفق على بدعيتها صدرت من أعلام كبار كالإمام النووي ، وابن حجر ، والقرطبي ، وابن عساكر ، وابن الجوزي والسيوطي ، وغيرهم من علماء الأمة . وهذا انتقاء يخل بمصداقيتهم الدينية ، ويشكك في عدالة الحكم عندهم ، لأن البدعة لا تتغير قديما وحديثا ، فلماذا أحسنتم الظن في الأقدمين واعتذرتم لهم ( وهذا حق ) ، ولم تسع صدوركم لإخوانكم المتأخرين رغم أن أخطاءهم اجتهادية فرعية ومحتملة .
جاء في أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله : ( الأصل الثاني : عدم تأثيم مجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية وأولى من ذلك، عدم تكفيره أو تفسيقه ) .

ومن شواهد انتقائهم وكونهم متخصصون في تضليل وتبديع الدعاة فقط ، قلة اهتمامهم لما ظهر في الساحة من إلحاد وكفريات ، وقلة حماسهم لما رأيناه من تمرد ولمز وإيذاء للرسول صلى الله عليه سلم ولسنته ، وندرة ردودهم لما في الساحة اليوم من سب للصحابة ولمز لهم ووصفهم بما لا يليق ، كل هذا وأكثر ولم نر للجامية تلك الغضبة المضرية لمحاربة هذه الأفكار ، أو التصدي لها ، إلا النادر اليسير الذي لا يكاد يذكر ، على الرغم من خطورة هذه الأفكار على الناشئة وكثافة المتربصين بالدعوة .
هذه الانتقائية التي تجعل حماسهم وغيرتهم تتوقد وتثور مقابل الدعاة والمصلحين ، وتخبو وتتلاشى أمام أمور أعظم وضلالات أخطر تجعل المتابع يتشكك في قصدهم ، ويتوجس من نيتهم ، ويحذر منهم ومن دعوتهم ، ويحزن لموقفهم ، ويدعو للبراءة من فعلهم .

وهم يحذرون من الدعاة ويشتدون عليهم ، ويتركون ما سواهم من العلمانيين واللبراليين والإلحاديين بحجة أن الدعاة أشد خطرا على الإسلام ، لأن الدعاة مبتدعة بنظرهم ، أما العلمانيون وأمثالهم فهم عصاة . والبدعة أشد خطراً من المعصية ، وقد سمعت هذا التخريج من منظريهم . وهذا يدل على جهلهم بالبدعة وتعريفها ، وهم يلبسون على طلابهم بهذا التخريج الذي طاف على الكثيرين منهم .
والصحيح أن العلمانية وأمثالها (بدعة كبرى) وليست مجرد معصية ، بل قد تذهب بالمرء إلى أبعد من البدعة ، وهذا الذي يجب أن يعلمه صغار الجامية ، ويجب أن يلتزم به كبارهم إن كانوا يجهلون ذلك .

وكثيرا ما نصحهم علماء الأمة السلفيين كالشيخ الألباني و الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله جميعا بأن يتركوا تتبع الدعاة ، وأن لا يتسببوا في تفريق الأمة ، وأن يلتزموا منهج السلف الصالح في الحكم على الآخرين ، بل لقد قال الشيخ الألباني لأحد تلاميذهم بصريح العبارة ( أنصحك أنت والشباب الآخرين الذين يقفون في خط حرف ) حيث وصف هذا الخط بالانحراف ، "راجع الرابط السابق" ، وقد أكثر من نصحهم الشيخ الألباني رحمة الله .

التعليقات ( 0 )