• ×

11:46 صباحًا , الثلاثاء 10 ذو الحجة 1439 / 21 أغسطس 2018

Subscribe With Us

صالح الضحيان

الإسلام ليس شرطا لتحقيق النصر

صالح الضحيان

 0  0  630
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
:

هذا العنوان لا ينفي سببية الإسلام لحصول النصر ، وإنما ينفي شرطيته ، بمعنى أن الإسلام سبب من أسباب النصر وليس شرطا له ، فقد ينتصر الغير مسلم وقد تقوم للكفار حضارة وتمكين في الأرض .
فحين يتعامل الكثير من المسلمين مع الإسلام بدون مقاصده ، فإن هذا الإسلام لايكفي لتحقيق النصر ،ِ ولا يكفي للتمكين في الأرض ولا لصناعة الحضارة .
ولتوضيح هذا الكلام نقول أن الله جل وعلا (ربٌ) لجميع البشر (سواء المسلم أو الكافر أو الملحد) وبموجب هذه الربوبية فقد كفل الله لجميع البشر الحياة ، والرزق ، والتمكين في الأرض ، والنصر في المعارك ، وهيأ لهم أسبابها ، ولكن كفالة هذه الأشياء مشروطة بالأخذ بأسبابها .
والانتصار على الأعداء ، والتمكين في الأرض ، والتوفيق لصناعة الحضارة هذه الأمور هي من أعمال الله التي كفلها لجميع البشر (المؤمنين والكافرين) فهي داخلة في الربوبية ، فمن أتى بالأسباب التي وضعها الله للنصر أوللتمكين تحقق له ما أراد بغض النظر عن دينه وجنسه .
وهذا تفسير لما نراه اليوم من تمكين لأمريكا ، وللدول الغربية ، ولليابان ، وللروس وهم بلا إسلام ولا إيمان ، ولكنهم أخذوا بالأسباب فرزقهم الله التمكين والحضارة والانتصار .
فالنصر على الأعداء والتمكين في الأرض مثلها مثل الرزق ، ومثل الحياة ، فهي مكفولة للجميع بأسبابها .

وعلى هذا فإن الإسلام وحده بدون مقاصده لا يكفي لتحقيق النصر ولا يكفي لتحقيق التمكين في الأرض ، فهناك الكثير من الشباب المتحمسين دائما يرددون : (أننا مؤمنون وسينصرنا الله) متناسين بقية الأسباب المقاصدية ، ونجد البعض الآخر يندفع بتهور معتمدا على الدين الذي معه فقط جازما بأن الله سينصره ، فيلقي بنفسه في التهلكة ، ويستعدي العالم ضده ، فيفسد بجهله من حيث أراد الإصلاح .
والنصر والتمكين في الأرض لهما أسباب كثيرة ، و(الإسلام والعودة إلى الدين) سبب من أسباب النصر وسبب من أسباب التمكين وليس شرطا لهما ، فإذا تقابل الكفار والمسلمون في المعركة فسينتصر من يستحضر أكثر أسباب النصر ، وكل سبب له وزنه وثقله في تحقيق النصر .
وهذا الكلام لا يخالف الآيات التي وعدت المؤمنين بالنصر كقوله تعالى : (إن تنصروا الله ينصركم) ، وقوله تعالى : (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) فهذه الآيات تتكلم عن النصر بعد تحقيق الإيمان بمقاصده والعلم بكيفية العمل تحت ربوبية الله . ومن مقاصد العلم بالربوبية الأخذ بالأسباب ، والعمل الجاد بتحقيق الأقدار الكونية الملازمة للإيمان .
فإذا توافرت أسباب النصر المادية لدى المسلمين ، يكون دور الإسلام والإيمان هو تغطية النقص الاضطراري المعقول في العدد والعدة ، فإذا بذل المسلمون الوسع ، واجتهدوا في التخطيط والإستعداد والإعداد والعدة ، يكون الإيمان مرجحا كفة المسلمين وجابرا لنقصهم المشروع بالعدد والعدة ، وهنا يكون النصر للمسلمين على الأعداء بسبب الإسلام والإيمان ، لأن الله سيخذل الأعداء حتى لو كانوا أكثر استعدادا وعددا وعدة حسب وعده ، لأن وزن الإيمان وثقله في تحقيق النصر كبير جدا سيرجح كفة المسلمين إذا أخذوا بالأسباب .

فالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حين كانوا في مكة كان معهم الإيمان والتقوى والأعمال الصالحة ، ومع ذلك لم يأمرهم الله سبحانه وتعالى بالقتال لعدم توافر أسباب النصر ، وكذلك الرسول حين كان في مكة يعلم أنه لم يستجمع أسباب النصر اللازمة فصبر وأخذ يدعوا سرا ويعمل على تحقيق بقية أسباب التمكين والنصر ، فقد بذل الجهد في البحث عن هذه الأسباب مثل الهجرة للحبشة والسفر للطائف والبحث عن مناصرين ، حتى أذن الله له بالهجرة للمدينة واكتملت عنده الأسباب الكافية للنصر والتمكين . وأيضا في غزوة الأحزاب اجتهد الرسول في استكمال أسباب النصر ومنها حفر الخندق ، حيث مكث الصحابة قرابة خمسة عشر يوما يحفرون الخندق في عملية مجهدة وشاقة جدا ، ولم يقل الرسول نحن مؤمنون وسينصرنا الله فقط ، كما يفعل الأغرار أهل الحماس الغير منضبط .
وحفر الخندق معناه أن المسلمين لا يرغبون في ملاقاة الأعداء ، ومعناه بأن المسلمين يبحثون عن السلامة وترك القتال . فقد يأتي من يسمى هذا جبنا وخوفا واستسلاما وهروبا من ملاقاة الأعداء ، ولكن الحقيقة أن هذا العمل موافقا للأخذ بالأسباب ، فهو يعلمنا عدم الاندفاع والتهور ، ويأمرنا بالابتعاد عن الحماس الفارغ ، لأن المواجهة والقتال في غزوة الأحزاب ليست في صالح المسلمين ، لأن أسباب النصر في المواجهة لم تكتمل رغم أنهم مؤمنين .

ونحن نرى بعض الشباب المتحمسين الذين يهددون أمريكا ويستعدون أوروبا وهم لايملكون من أسباب النصر ما يؤهلهم لهذا التهديد ، معتمدين على وعد الله في نصره للمؤمنين ، وهذا من الجهل في العلم الشرعي ، ومن الجهل بكيفية استجلاب النصر .

صالح علي الضحيان
باحث شرعي .

التعليقات ( 0 )